الخميس، 05 نوفمبر 2026 القاهرة 18.2°C
رئيس التحرير مجدي شندي

لماذا انتشرتْ ظاهرة التحرش بعد يناير 2011؟ 

شغلنى سؤال: لماذا يكون التحرش فى بعض الدول بنسب قليلة جدًا..وهذه الحقيقة تضع الباحث أمام ظاهرة غاية فى التناقض بين الشعارات والواقع: فالدول العربية (ومصر) التى يعتنق أغلب مواطنيها الإسلام..من أكثرالدول التى تنتشر فيها هذه الظاهرة.  

فى مصر ظهرتْ بدايات التحرش فى الثمانينيات من القرن العشرين.. وانشغل الإعلام وقتها بالشاب الذى حاول التحرش بفتاة بها إعاقة جسدية فى ميدان العتبة داخل الأتوبيس. ثم اختفتْ الظاهرة نسبيًا لعدة سنوات إلى أنْ عادتْ على استحياء مع بداية الألفية الثالثة.. وتفاقمتْ بعد انتفاضة شعبنا فى شهرطوبة/ يناير 2011 والمُلفتْ للنظر أنه طوال الثمانية عشريومًا الأولى، لم تشهد مصركلها حادثة تحرش واحدة، لا فى ميدان التحرير..ولافى أى ميدان من ميادين مصركلها، بينما بدأ التحرش بعد أنْ انفضّ (مولد الانتفاضة)  

ولو عدنا إلى الجذورالاجتماعية والثقافية للظاهرة، فأول ما يُلفتْ النظرأنّ التحرش فى مصر قبل يوليو52 لم يُشكل ظاهرة عامة.. ويذهب ظنى أنّ شعبنا لم يرتكب هذا الفعل الشائن. وعن هذه الظاهرة ذكر عالم الاجتماع د.سيد عويس أنه عندما جاء إلى القاهرة فى الأربعينيات، كان الشباب يُغازلون الفتيات فى الشارع بكلمات رقيقة مثل (بنرمى السلام على الجمال) أو (يا حلو صبّح يا حلو طل) والتعبيرالأخيرتحوّل إلى أغنية شهيرة غناها المطرب الشعبى محمد قنديل، فكانت الفتاة أوالسيدة ترد وهى تبتسم (عيب إختشى) وينصرف كل إلى حاله.. وما ذكره د.سيد عويس تكرّرفى الخمسينيات والستينيات وهوما شاهدته بنفسى. إذن نحن أمام ظاهرة غاية فى التعقيد والتناقض: فى الزمن الذى لم يكن فيه للأصوليين سيطرة كاملة على المجتمع لم يحدث تحرش، بينما حدث العكس مع سيطرة طغيان اللغة الدينية.. ومع ملاحظة أنه فى الخمسينيات والستينيات كانت الفتيات والسيدات ترتدين المينى والميكروجيب وتعتززن بشعورهن، وفى الصيف ترتدين بلوزات نصف كم وتنزلن البحر بالمايوهات..وفى حفلات أم كلثوم كانت السيدات تجلسن بشعورهنّ وترتدين فساتين السهرة.. ومع ملاحظة أنهنّ كنّ أنيقات محترمات، ومع ذلك لم تشهد خلال تلك الفترة ظاهرة التحرش.. وهذا الرصد يقودنا إلى البُعد الثقافى، فكلما كان المجتمع يتمتع بالحرية الشخصية، كلما انعدمتْ كل أشكال الاعتداء على الآخر.. ومن بينها التحرش.. كما أنّ المناخ الثقافى الذى يحرص على عدم التفرقة بين الأنثى والذكر..تكون العلاقة بينهما علاقة سوية ندية.. ويحدث العكس مع المغالاة فى التدين.. ودعوات الفصل بينهما بدءًا من الحضانة حتى الجامعة.. وكلما نشأ الجنسان فى مناخ ثقافى يُكرّس لحقيقة أنه لا فرق بينهما من المنظور الإنسانى (وليس البيولوجى) كان الاحترام بينهما هو القاعدة وليس الاستثناء والعكس صحيح.. وهنا تبرزأهمية النظرة العامة للمرأة، هل هى إنسان مثلها مثل الرجل أم مجرد موضوع للفراش؟ وفى هذا الجانب الثقافى تبدو الأهمية القصوى لدور التعليم والإعلام. فإذا كان هذا الدور مع ترسيخ الحقيقة العلمية التى تؤكد أنّ المرأة إنسان فاعل فى المجتمع (ثقافيًا وعلميًا) وأنها أثبتتْ كفاءتها فى شتى مناحى الحياة.. وأنّ الكثيرات أسهمن فى العلوم الطبيعية والإبداع الشعرى والروائى.. والفقيرات عملن فى المصانع والحقول وأنّ الأبحاث العلمية أثبتتْ أنه رغم صغر حجم مخ المرأة فإنها أكثر ذكاءً من الرجل.

وعن تأثيرالعوامل الاجتماعية (مستوى المعيشة، مستوى التعليم إلخ) فلا يستطيع أحد إنكار دورها..وإنْ كنتُ أعتقد أنّ هذا الدور يتشكل وفق المناخ الثقافى.. وعلى سبيل المثال فإنّ الفقراء فى مصر قبل يوليو52 لم يتحرّشوا بالفتيات، لا فى الجامعة ولا فى الشوارع، كما أنّ الزى لايدخل فى الاعتبار بدليل الحالات التى رصدتها منظمات حقوق الإنسان للتحرش بفتيات محجبات ومنتقبات.. كما أنّ دور البيئة (المقارنة بين مجتمع المدينة والريف) نسبى.. فالفضيلة قد تكون فى الريف أكثر من المدينة.. وهذا ما لاحظه أحد قراء صحيفة الأهرام فى سلسلة مقالات بدأتْ فى 24فبراير1915بين فتاة وفتى.. وفى أحد هذه المقالات ردّ الفتى على المحافظين الذين ينصحون بمحاربة الرذيلة ويُهاجمون دعاة السفورعلى النمط الأوروبى فكتب (إنّ البديل هو السفورعلى نمط فلاحات القرى).  

قد يحتج البعض بأنّ عدم القدرة على الزواج بسبب الفقر، يدفع بعض الشباب إلى التحرش بالفتيات.. وهذه الحجة يجب أنْ تؤخذ بشكل نسبى، بمعنى أنها ليستْ قاعدة.. والدليل على ذلك أنّ عدد المُتحرشين قياسًا على عدد السكان ينفى دور الفقر، فإذا كان المُتحرشون بالعشرات أو حتى بالمئات فإنّ الفقراء بالملايين.. كما أنه إذا كان بعض المُتحرشين من الفقراء، فإنّ البعض الآخر من أولاد الأثرياء.. كما أوضحتْ التحقيقات فى حادثة التحرش بإحدى المطربات أمام سينما مترو فى عيد الفطرمنذ سنوات، إذْ تبين أنّ معظم الشباب الذين تحرشوا بالمطربة من أسر ثرية.. وهذا يعود بنا إلى البُعد الثقافى باعتباره أهم العوامل على ترسيخ قيمة الفضيلة واحترام خصوصية الآخر، أوالعكس عندما يُركز على الاقصاء والتمييز، وأنّ الذكر أفضل من الأنثى.. وأنّ المحجبة أفضل من التى تــُـطلق شعرها للشمس وللهواء.
 ---------------

بقلم: طلعت رضوان

(من العدد الأسبوعي للمشهد)

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:40
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
18.2°C
توقعات الساعات القادمة
18.2°C
18.3°C
19.2°C
20.6°C
22.2°C
23.7°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد

هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...

حديث الإفك وكلاب السكك!

كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...

هل يقبل محمد الباز التحدي؟

في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...

حريق بسفينة في ميناء دمياط وجاري حاليا التعامل معه والسيطرة عليه عن طريق الحماية المدنية

صرح المركز الإعلامي لهيئة ميناء دمياط أنه بتاريخ اليوم الخميس، الموافق وفي تمام الساعة الواحدة والنص...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,114ج.م
عيار 21
6,225ج.م
عيار 18
5,336ج.م
الجنيه الذهب
49,800ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...